تعاطت السياسية المحلية مع اليمن كبلد معزول وغير مؤثر، لم تستفد من موقعه الجيواستراتيجي ولا تأثيره الاقليمي، وتعاملت مع طاقته البشرية كحمل زائد، وكعامل ضعف وليس قوة، باعتبارهم إعداد سكانية متزايدة بحاجة إلى مزيد من المعونات الخارجية.
هذه هي سمة السياسية اليمنية. التي أعطت انطباعا للخارج بان اليمن فقير وبلا قرار سيادي، وتعاطت مع الداخل بطريقة استعلائية، ولدت الكثير من الأحقاد، والازمات السياسية.
كان القرار السياسي لزمن طويل يزيد من عزلة اليمن، وأيضا لا يستوعب حجمه بالنسبة للمنطقة. لم يعرف اليمن في تاريخه الحديث، استراتيجيه طويلة المدى، تفكر لأبعد من خمسين عاما، ولم يدار إلا بنفس قصير، وبمصالح آنية وفردية. وأحبط توظيف كل عوامله البشرية والجغرافية والطبيعية، وكل موارده الغنية. فظل اقتصاده ضحلاً، مما اضعف استقلاله السياسي.
قليلون من سياسي اليمن، فكروا ان يأخذ اليمن استقلاليته، لعل أبرزهم الرئيس «إبراهيم الحمدي»، الذي ربما فكر باستقلالية القرار اليمني، لكن قصر مدة حكمه لم تسمح بتكون نموذج يمكن القياس عليه، فلقد جاء للرئاسة في وقت كانت فيه روسيا تتحكم بالقرار في جنوب اليمن، وتصارع لتجد حضورا في شماله، الذي كان الغرب والامريكان يحاول لجمه.
في تلك الحرب الباردة بين المعسكرين، كان اليمن أمام خيارين، أما ان يدهس من الطرفين، او ان يميل لأحدهما، وقد يكون من الصعب ان تكسب صداقة المعسكر الشرقي دون ان تغضب الغربي، لكن موقع اليمن يؤهلها الى إقامة مثل هذه العلاقات المتوازية لان الجميع يحتاجها.
وهنا مربط الفرس، فالسياسة اليمنية الخارجية تعاملت مع اليمن انه هو الذي يحتاج للآخر، وان الاحتياج ليس متبادلا. لم تعطي السياسة الخارجية حضورا قوياً لليمن. فظل اليمن معزولا، وللأسف تابع للقرار الخارجي. مشكلة اليمن تكمن في عزلته التاريخية التي سببها الموقع الجغرافي، لكن هذا الموقع هو ذاته ما يؤهل اليمن للعب دور إقليمي عال المستوى. بالتالي فإن عدم الاهتمام بكل المعطيات سيبقي اليمن بعلاقاته الدولية والاقليمية، في محل التابع وليس الحليف.
وبقاء علاقته بجيرانه في الخليج، علاقة غير ندية كونه يحتاج لمعونتهم المادية، لا تتوافق ودوره المطلوب منه، وهو يحتاج ان يطور علاقته بجيرانه الأفارقة، كقائد في مجموعة صغيرة، كون عدد من هذه الدول كجبوتي، السودان، إثيوبيا والصومال، يمكن ان يجد فيهم اليمن عمقا مهما لامنه القومي.
لقد كان ملف الامن القومي مهمل، وملف العلاقات التحالفية مغيب، وعلاقات الندية مع الدول الكبرى ملف يخشى الاقتراب منه.
اليمن ليس اقل من اي دولة في المنطقة، ومن حقه ان يبحر بعيدا في علاقاته الدولية كفاعل اقليمي، وكمؤثر حتى في سياسيات الدول الكبرى، يبحر شرقا وغربا، دون تبعية، وبتحالف سياسي محترف. لان اليمن ليس صغيرا ولا ضعيفا، لكن من في قمة هرمه السياسي يروه كذلك، ويقدمونه بهذه الطريقة، ويعكسون عليه ضعفهم.
إن تنفيذ المصالح المشتركة، لا يعني تبعية مطلقة، «الحمدي» الذي مد جسور العلاقات مع إيران «الشاه» وحلفائها الغربيين وقتها، لم يقطع علاقاته مع روسيا والصين، ولكن من خلفوه لم يكونوا بهذا البعد الاستراتيجي والجسارة السياسية.
ومن خلفوا «علي عبدالله صالح» كانوا أكثر ضحالة سياسية منه، وأكدوا ان اليمن تابع للخليج. فمع توقيع المبادرة الخليجية كان واضحا ان من سيحكم اليمن بعد «صالح» لن يخالف الرأي الخليجي، وفي المقابل فالخليج لن يحترم إلا الرجال الأقوياء.
لم يفرض السياسي اليمني شروطه على الخليج مقابل قبول التسوية السياسية، لقد نفذ مصالح الخليج، ولم يلتفت لمصالحه، الاقتصادية منها تحديدا، مع ان الخليج يبدي استعدادا لدعم الاقتصاد اليمني، ولكن لنا ان نتخيل كيف يتعاطى السياسي اليمني، مع السياسي الخليجي بضعف ودونية وبعدم ثقة، وهذا يجعل الدعم والتحالف الاقتصادي، يتحول إلى معونات ومساعدات لبلد فقير، فتعمل هذه المعونات على إضعاف اليمن، ولا تكسبه أي استقلالية.
قد لا يكون من مصلحة الخليج ان يحرك اليمن ملف العلاقات الدولية منفتحا على الجميع، ليكون له بعد اقليمي. ولكن ليس من مصلحة اليمن ان تبقى علاقته بالدول العربية و الافريقة والاسلامية مهملة.
العلاقات لا تعني زيارات رسمية ولا برتكول توقيع الاتفاقيات، بل تعني التحدث عميقا في استراتيجيات ينفذها الطرفان، واليمن لم يعبُر بعد الى هذا المستوى الرفيع في العلاقات.